الشيخ محمد رشيد رضا
217
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فأدر له الأيسر » ومن المعلوم بالبداهة أن امتثال هذه الأوامر يتعذر على غير الأذلة المستعبدين من الناس ، وأنه قد يكون من أكبر المفاسد باغراء الأقوياء بالضعفاء الخاضعين ، وانك لتجد أعصى الناس لها من يسمون أنفسهم بالمسيحيين أمثال هذه الأوامر لا تأتي في دين الفطرة العام لان امتثالها من غير المستطاع ، واللّه تعالى يقول ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ) وإنما قرر القرآن في موضوعها الجمع بين العدل والفضل والمصلحة . قال تعالى ( 42 . 40 وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها . فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 41 ) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ( 42 ) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 43 ) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) ولا يخفى ان العفو والمغفرة للمسيء انما تكون من القادر على الانتصار لنفسه ، وبذلك يظهر فضله على من عفا عنه ، فيكون سببا لاستبدال المودة بالعداوة ، في مكان الاغراء بالتعدي ودوام الظلم ، ولذلك قال ( 41 : 24 وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ . ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ( 25 ) وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ فانظر كيف بين مراتب الكمال ودرجاته من العدل والفضل ، وكيف استدل عليه بما فيه من المصلحة وحكم العقل ، أفليس هذا الاصلاح الاعلى على لسان أفضل النبيين والمرشدين ، دليلا على أنه وحي من اللّه تعالى قد أكمل به الدين ؟ بلى وانا على ذلك من الشاهدين ، ولا يجحده إلا من سفه نفسه فكان من الجاهلين ( الثانية ) مبالغة المسيح عليه السّلام في التزهيد في الدنيا والامر بتركها وذم الغنى حتى جعل دخول الجمل في ثقب الإبرة أيسر من دخول الغني ملكوت السماوات . ونقول إن هذه المسألة وسابقتها انما كانتا اصلاحا موقتا لاسراف اليهود وغلوهم في عبادة المال حتى أفسد أخلاقهم وآثروا دنياهم على دينهم . والغلو يقاوم موقتا بضده ، وكذلك كانت دولة الرومان السالبة لاستقلال اليهود وغيرهم دولة مسرفة في الظلم والعدوان وأما الاسلام فهو دين البشر العام الدائم فلا يقرر فيه إلا ما هو لمصلحة الناس كلهم في دينهم ودنياهم . وهو في هذه المسألة ذم استعمال المال فيما يضر من الاسراف